محمد بن يزيد المبرد
27
المقتضب
تلامذته ليناقشوا من يتكلّم في الجامع ، فيفضّوا حلقته ، فلمّا أتى المبرد إلى بغداد ، أرسل ثعلب تلميذيه الزجّاج وابن الحائك ليناقشاه ، فلمّا ناقشاه ، انقلب الزجّاج على أستاذه . وقد روى الزّبيدي هذه الحادثة ، فقال : " أخبرني إسماعيل من حفظه قال : لما قتل المتوكل بسرّ من رأى رحل المبرّد إلى بغداد ، فقدم بلدا لا عهد له بأهله ، فاختلّ ، وأدركته الحاجة ؛ فتوخّى شهود صلاة الجمعة ، فلما قضيت الصّلاة ، أقبل على بعض من حضره ، وسأله أن يفاتحه السؤال ليتسبّب له القول ، فلم يكن عند من حضره علم . فلمّا رأى ذلك ، رفع صوته ، وطفق يفسّر ؛ يوهم بذلك أنه قد سئل ، فصارت حوله حلقة ، وأبو العباس يصل في ذلك كلامه . فتشوّف أبو العباس أحمد بن يحيى إلى الحلقة ، وكان كثيرا ما يرد الجامع قوم خراسانيون من ذوي النظر ، فيتكلّمون ويجتمع الناس حولهم ؛ فإذا بصر بهم ثعلب أرسل من تلاميذه من يفاتشهم ؛ فإذا انقطعوا عن الجواب انفضّ الناس عنهم . فلمّا نظر ثعلب إلى من حول أبي العباس أمر إبراهيم ابن السريّ الزّجاج وابن الحائك بالنهوض ، وقال لهما : فضّا حلقة هذا الرجل . ونهض معهما من حضر من أصحابه ؛ فلما صارا بين يديه ، قال له إبراهيم بن السريّ : أتأذن - أعزك اللّه - في المفاتشة ؟ فقال له أبو العباس : سل عما أحببت ، فسأله عن مسألة ؟ فأجابه فيها بجواب أقنعه ؛ فنظر الزجّاج في وجوه أصحابه متعجّبا من تجويد أبي العباس للجواب . فلما انقضى ذلك ، قال له أبو العباس : أقنعت بالجواب ؟ فقال : نعم ، قال : فإن قال لك قائل في جوابنا هذا : كذا ، ما أنت راجع إليه ؟ وجعل أبو العباس يوهن جواب المسألة ويفسده ويعتلّ فيه . فبقي إبراهيم سادرا لا يحير جوابا ؛ ثم قال : إن رأى الشيخ - أعزّه اللّه - أن يقول في ذلك ؟ فقال أبو العباس : فإن القول على نحو كذا ، فصحّح الجواب الأول ، وأوهن ما كان أفسده به ، فبقي الزّجّاج مبهوتا ؛ ثم قال في نفسه : قد يجوز أن يتقدّم له حفظ هذه المسألة واتفاق القول فيها ، ثم يتفق إذا سأله عنها . فأورد عليه مسألة ثانية ، ففعل أبو العباس فيها بنحو فعله في المسألة الأولى حتى والى بين أربع عشرة مسألة ، يجيب عن كل واحدة منها بما يقنع ، ثم يفسد الجواب ، ثم يعود إلى تصحيح القول الأول . فلما رأى ذلك إبراهيم بن السّري ، قال لأصحابه : عودوا إلى الشيخ ، فلست مفارقا هذا الرّجل ، ولا بدّ لي من ملازمته ، فعاتبه أصحابه وقالوا : تأخذ عن مجهول لا تعرف اسمه ، وتدع من قد شهر علمه ، وانتشر في الآفاق ذكره ! فقال لهم : لست أقول بالذّكر والخمول ؛ ولكنّي أقول بالعلم والنظر . قال : فلزم أبا العباس ، وسأله عن حاله ، فأعلمه برغبته في النظر ، وأنه قد حبس نفسه على ذلك إلا ما يشغله من صناعة الزّجاج في كلّ خمسة أيام من الشهر ، فيتقوت بذلك الشهر كلّه . ثم أجرى عليه في الشهر ثلاثين درهما ، وأمره أبو العباس باطراح كتب